جلال الدين الرومي

435

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

وعن طريق الإشارة وضرب المثل والكناية ، وهكذا كان ديدن الرسول عليه السلام ، كان يجيب على الرأي بالقدر الذي يفهم به الأصدقاء ، ويضلل الخصوم فلا يدرون عنه شيئاً فقد ذكر الأنقروى ( 1 / 237 ) مثالا على ذلك الحديث النبوي ( خمروا الآنية واوكئو الأسفية واجيفوا الأبواب واكتفوا صبيانكم عند المساء فان للجن انتشارا وخطفة واطفئوا المصابيح عند الرقاد فان الفويسقة ربما اجتزت الفتيلة فأحرقت أهل البيت " فان الرسول كان يقصد معاني أخرى غير تلك التي يفهمها الخصوم . ( 1064 ) : عن الأمير المتسيب قال مولانا في موضع آخر من المثنوى ان ذلك يؤدى به إلى تحول النساء إلى بغايا والرجال إلى مخنثين ! ! ( 1065 - 1075 ) : من خلال شكوى الأسد من تعرضه للخداع نتيجة الألفاظ الحيوانات المعسولة الخالية من المعنى ينتقل مولانا إلى الحديث عن قضية عامة هي ان الألفاظ ان كانت منمقة ظاهرة الإقناع فإنها توضع من يصدقونها في الخطأ ، فهي كالشباك ، تضيع أعمارنا ، فكأنها رمل يتشرب ماء أعمارنا ، لكن هناك من يتصف كلامهم بحلاوة اللفظ وعمق المعنى هم رجال الله المتصلون بالحق المنفصلون عن ذواتهم ، فهو رجل لأنك تراه جافا متيبا ، أفنى جسده لينمى روحه ، ومع ذلك فماء المعرفة فوار منه ، فعليك به ، وانصرف عن الرمل الجاف الذي يتشرب ماء عمرك دون ان تظفر منه بشئ ، وإذا طلبت الحكمة فاطلبها من أهلها ، تتحول بعدها من طالب للحكمة ( لوح حافظ ) إلى منبع للحكمة ( لوح محفوظ ) ومن متوسل بالعقل ، إلى معلم للعقل ، لقد كان جبريل هو الذي ينزل بالوحي على سيد الأنبياء ، كان مصدرا للوحي ، فانظر إلى ما ناله سيد الأنبياء من تكريم عندما فهم الرسالة وادى لها حقها ورعاها حق رعايتها ، لقد فاق جبريل نفسه في المرتبة بحيث انه في ليلة المعراج انفصل عنه عند موضع ما وقال : لو تقدمت أنملة لاحترقت ، وهكذا عندما تتجاوز مرحلة التعلم بالعقل إلى مرحلة التلقي من الله ، بحيث يحار العقل نفسه فما وصلت إليه ، وبحيث يقول ابن الفارض ولا فلك إلا ومن نور باطني * به ملك يهدى الهدى بمشيئتى وبدري لم يأفل شمسي لم تغب * وبي تهتدى كل الدراري المنيرة